|
|
|
|
|
أوباما منشغل بالداخل.. والخارج منشغل بـ «الخوارج/ بقلم د . عصام نعمان |
|
03/02/2010 |
|
|
في خطابه الاول بعد عامه الاول من ولايته الاولى (وربما الاخيرة؟) عن «حال الاتحاد» الفيدرالي الاميركي، غابت الفصاحة عن باراك اوباما وحضرت الخيبة، وطغى الداخل المترع بالتحديات الاقتصادية ومشاعر الاحباط والنقمة لدى الاميركيين الموعودين بالتغيير، على الخارج الزاخر بالتحديات السياسية والامنية والصراعات المزمنة على الارض والموارد والثروة والاسواق والنفوذ. سعى الرئيس الاميركي في خطاب طويل ومتلفز امام الكونغرس الى اقناع مواطنيه بأنه يدرك ويتفهم معاناتهم ولن يتوانى عن معالجتها. أطلق لهذه الغاية سلسلة مبادرات محدودة لخفض الضرائب عن ذوي الدخل المحدود، ولاستخدام المزيد من الموظفين والعمال، ولضبط العجز المالي بتجميد الانفاق العام لمدة ثلاث سنوات في معظم الحقول، انما بعيداً من الاعتمادات المخصصة لوزارة الدفاع او لبرامج التأمين الاجتماعي والعناية الصحية. اختصر سياسته بعنوان عريض لافت : «ايجاد الوظائف يجب ان يكون تركيزنا الأولي في سنة 2010». غاب الصراع العربي - الاسرائيلي كلياً عن خطاب اوباما، كذلك بقية القضايا والتحديات الخارجية. اكتفى بتذكير الاميركيين بجهوده وتدابيره لمكافحة الارهاب وتعزيز الامن الوطني باصلاح الخلل الذي فضحته محاولة شاب نيجري تفجير طائرة ركاب اميركية يوم عيد الميلاد. اختصر الخارج كله، او كاد، بتنظيم «القاعدة». دعا الى «تعزيز الشركة من المحيط الهادئ الى جنوب آسيا والجزيرة العربية» في مكافحة ارهابه. تطرق الى افغانستان والعراق باقتضاب. وعد ببدء الانسحاب من الاولى في يوليو 2011 ومن الثانية في نهاية أغسطس المقبل. بعد ساعات من خطابه امام الكونغرس، استدرك اوباما في لقاء عام في ولاية فلوريدا اهتمامه القليل بالسياسة الخارجية عموماً وبما يسمى عملية السلام في المنطقة خصوصاً. قال ان «اسرائيل هي واحدة من اقوى حلفائنا وهي ديمقراطية حيوية وأمنها اساسي للمصالح الاميركية. عرّج على ما اسماه «محنة الفلسطينيين». لاحظ انها « امر يجب ان نتنبّه اليه.. ليس من مصلحة امتنا وأمن اسرائيل ان يشعر ملايين الافراد بفقدان الامل». كيف يستعاد الامل؟ «بالعمل على محاولة تعزيز قدرة الطرفين على الجلوس معاً الى الطاولة». هكذا يتبدّى اوباما من خلال خطابه منشغلاً بالداخل. هذا لا يعني ان الخارج متروك لـ «الخوارج»، بمعنى الخارجين على سلطة اميركا وطاعتها، بل يعني التفاوت في تركيز الاهتمام وبالتالي العمل. فالاهتمام مركّز، في الدرجة الاولى، على قضايا الداخل وتحدياته. في هذا المجال، يحتل الارهاب، ممثلاً بـ «القاعدة»، المرتبة الاولى، تليه ايران النووية، واخيراً وليس آخراً الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي. ليس من الغلو القول ان الاسلام الراديكالي هو، في الواقع، القطب العالمي الابرز في مواجهة أميركا. جورج بوش الابن كان يعتبر الاسلام والارهاب صنوين. اوباما امر اجهزة اعلامه بالكفّ عن هذه المزاوجة، بل هو حاول في خطبته الشهيرة من على منبر جامعة القاهرة مطلعَ يونيو الماضي ان يمدَّ يد المصافحة والمصالحة الى الاسلام والمسلمين. غير ان ذلك لا ينفي اقتناع اوباما وفريقه بأن الاسلام، عموما، هو القطب العالمي الابرز، وربما الافعل، في مواجهة اميركا، ليس في المنطقة فحسب بل على مستوى العالم ايضاً. هذا يعني، فيما يعني، وجود صراع بل حرب ضروس بين اميركا والتنظيمات الاسلامية الرديكالية، ناهيك عن حركات المقاومة الوطنية ومجموعات العنف الاعمى، في شتى أنحاء العالم. هذا الصراع العالمي بين القطبين يتعاظم باطراد. أليس ما يحدث في العراق وافغانستان وباكستان واليمن والسودان والصومال، واحياناً في السعودية ولبنان وتركيا واوروبا واخيراً في اميركا، دليلاً ساطعاً على تمدده وتعاظمه؟ الى ذلك، مدَّ الاسلام الراديكالي، ممثلاً بـ «القاعدة»، مجال اهتماماته ونشاطه الى حقول تتعدى الامن والسياسة الى البيئة والاقتصاد. ها هو اسامه بن لادن يهاجم اخيراً، في تسجيل صوتي، الدول الصناعية الكبرى ويحمّلها مسؤولية التغيّر المناخي، داعياً الى التخلي عن الدولار كعملة عالمية. فقد هاجم زعيم «القاعدة» الدول الصناعية الكبرى قائلاً : «ان بوش الابن ومن قبله اعضاء الكونغرس رفضوا هذه الاتفاقية ارضاءً للشركات الكبرى، فهؤلاء هم الجناة الحقيقيون على المناخ العالمي». اما على الصعيد الاقتصادي فان بن لادن يعتبر أن «العالم مختطف من قبل اصحاب الشركات الكبرى، تسير به نحو الهاوية بقوة دفع وطمع لصوص النفط وتجار الحروب، وحوش الرأسمالية المفترسة». ولا يتردد بن لادن في وصف اوباما بأنه «الوكيل الجديد» للشركات الكبرى. بل هو لا يجد حرجاً في الاستشهاد بآراء المفكر الاميركي اليساري نعوم تشومسكي الذي اشار الى «وجود شبه بين السياسات الاميركية وسياسات عصابات المافيا، فهؤلاء هم الارهابيون حقاً». في الصراع مع ايران، لم يخف اوباما سخطه من انسداد باب المفاوضة معها حول مشروع تخصيب اليورانيوم في الخارج واعادته اليها بشكل قضبان للاستخدام العلمي. فشل نهج المفاوضة سيقود اميركا حتماً الى تصعيد نهج العقوبات وربما الحصار ايضا. مجلس الشيوخ وافق اخيراً بالاجماع على مشروع قانون يجيز للرئيس الاميركي فرض عقوبات على كل من يصدّر البنزين الى ايران او يساعدها في توسيع قدراتها على تكرير النفط. زعيم الغالبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ السناتور هاري ريد اعتبر ان اقرار التشريع «امر حساس لتوجيه رسالة الى ايران مفادها ان الولايات المتحدة جدية في منع ايران من امتلاك قدرة الحصول على اسلحة نووية». من المشكوك فيه ان توافق دول اوروبا تلقائيا ودول كبرى كالصين، وربما روسيا ايضا، في مجلس الامن على اعتماد عقوبة منع وصول البنزين الى ايران . اوروبا قد تعارض لأن مؤسسات مالية وشركات نفط وتأمين عدة تابعة لها تستثمر رساميل ضخمة في ايران او تتعاطى معها تجاريا على نطاق واسع. اما الصين التي تستورد نسبة مئوية عالية من حاجاتها النفطية من ايران فقد تجد نفسها مضطرة ليس الى رفض تطبيق هذه العقوبة فحسب بل الى تجاوزها ايضا بتوريد النفط المكرر الى الجمهورية الاسلامية مقابل كميات النفط الخام التي تستوردها منها. الامر نفسه قد يتكرر مع دول اخرى تشتري النفط الخام من ايران. اهم ما في ملابسات هذه القضية ألاّ تلجأ اميركا الى فرض حصار بحري على ايران. ذلك ان الجمهورية الاسلامية قد تضطر عندئذٍ الى ضرب السفن الحربية التي تفرض الحصار ما يؤدي الى اندلاع الحرب او الى اغلاق مضيق هرمز في وجه ناقلات النفط من سائر دول الخليج العربية.هل تختار ادارة اوباما في نهاية المطاف طريق القوة في صراعها مع ايران ؟ الجواب: دون ذلك صعوبات جمة. فالرئيس الاميركي منشغل جداً بتحديات الداخل، لاسيما الاقتصادية منها، وليس من المنطقي ان يزج بلاده في حرب مكلفة تتطلب الكثير من الموارد والقدرات وربما الارواح البشرية ايضا. ثم ان دول الجوار، لاسيما منها المنتجة للنفط، تعارض خيار الحرب لأنه سيصيبها جراءها بأضرار بشرية ومادية هائلة لا طاقة لها على احتمالها. الى ذلك، فان توسيع دائرة الصراع من شأنه فتح جبهات كثيرة على اميركا وحلفائها من طرف حركات المقاومة الامر الذي يلحق بهم جميعاً أفدح الاضرار وقد يؤدي الى انهاء نفوذ اميركا والغرب الأطلسي في المنطقة. غير ان خيار الحرب يبقى وارداً اذا لم تتمكن الولايات المتحدة، في نهاية المطاف، من منع ايران انتاج اسلحة نووية. ذلك ان ثمة قناعة، ان لم تكن ثقافة عامة، في اميركا واوروبا مفادها ان الحرب ضد ايران تبقى ادنى تكلفة من امتلاكها اسلحة دمار شامل. فالغرب يخشى من تسريب اصنافٍ تكتيكية من هذه الاسلحة الى حركات المقاومة ما يؤدي الى تهديد اسرائيل بخطر شديد وبقلب موازين القوى في المنطقة لصالح العرب.تعزز احتمال لجوء اميركا الى اعتماد خيار الحرب ضد ايران بعد الشهادة التي أدلى بها رئيس الوزراء البريطاني الاسبق طوني بلير امام لجنة التحقيق الرسمية في ملابسات الحرب على العراق. ذلك ان بلير ادعى ان سياسة احتواء برنامج اسلحة الدمار الشامل لصدام حسين فشلت، فكان لا بد من شن حرب استباقية على العراق لمنع صدام من احياء برنامج انتاج الاسلحة النووية. ولم يكتف بلير بعدم ابداء ندمه على مشاركته الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش الابن قراره بشن الحرب بل قال ايضا انه يعتبر الخطر الذي تشكّله ايران سنة 2010 بسبب برنامجها النووي اكبر من الخطر الذي شكّله العراق في 2003، ملمحاً الى ضرورة تدخل عسكري ضدها.في الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي يبدو اوباما حريصاً على أمرين: صون أمن اسرائيل، والتنبّه الى خطر استمرار محنة الفلسطينيين على أمن اميركا وأمـن اسرائيل. كيف ينوي التوفيق بين الأمرين ؟ يبدو ان نهجه المفضل هو اعادة الطرفين الى طاولة المفاوضات. لعله اتعظ، في هذا المجال، من تجربة توني بلير الذي قال، ايضا، للجنة التحقيق في الحرب على العراق ان بريطانيا واميركا اخطأتا بعدم قيامهما بتنظيم مفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين قبل بدء الحرب. ما قصد اليه بلير هو ضرورة ابداء الغرب حسن نية تجاه العرب والمسلمين لتنفيس سخطهم المزمن الناشئ عن المظالم التي ألحقها بهم وذلك قبل خوض حرب جديدة قد تُلحق بهم المزيد من المظالم.في ضوء هذا التحليل يبدو اوباما عازماً على احياء المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي مهما كلف الامر وذلك قبل اللجوء الى خيار استعمال القوة ضد ايران. لعل هذا ما يفسر عودة مبعوثه جورج ميتشل الى التجوال في المنطقة والاصرارعلى ان ادارة اوباما مصممة على احياء المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين. غير ان اوباما لن يعتمد فقط على جهود ميتشل وحده بل هو ينتظر عوناً ومساعدة كبيرين من حلفائه العرب، ولا سيما من مصر والسعودية. في هذا الاطار يمكن تفسير دور حكومة مصر المزدوج في الضغط على تنظيمات المقاومة في قطاع غزة من خلال اغلاق معبر رفح واقامة الجدار الفولاذي الباطني من جهة، والمجهود السياسي الذي يبذله وزير الاستخبارات عمر سليمان لتوقيع وثيقة المصالحة بين «فتح» و«حماس» وسائر الفصائل من جهة اخرى. قد يضطر محمود عباس، ازاء ضغوط حلفائه العرب، الى الموافقة على اجراء مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل عبر الولايات المتحدة. غير ان اسرائيل قد ترفض اذا ما شعرت انها ستؤدي الى تقديم اي تنازل يجافي الوضع الراهن. فهي بصدد المزيد من التوسع لجعل خيار الدولة الفلسطينية القابلة للحياة غير قابل التحقق. وهي قادرة على تعطيل خيار المفاوضات من دون ان تلقى من ادارة اوباما، في غمرة ما تعانيه حالياً من تحديات اقتصادية في الداخل، اي ردع مؤثر. حتى ادارة اوباما لن تحزن كثيراً اذا ما رفضت اسرائيل احياء المفاوضات. يكفيها «فخراً» انها حاولت دفع اسرائيل الى التفاوض لتتفادي «سقوطاً» محتملا من اعين حلفائها العرب الاوفياء. هؤلاء يتفهمون دائما متاعبها مع اسرائيل «الناشزة» و«لوبياتها» الشيطانية في مختلف عواصم القرار !ثم، ألم تنجح واشنطن سابقاً في كبح «الخوارج» الخارجين على طاعتها برشاوى سياسية قدمتها الى اولي الامر في دنيانا العربية؟الجواب: نعم، نجحت الاّ في حرب اسرائيل العدوانية على لبنان سنة 2006. وهي لن تنجح، على ما يبدو، مرة اخرى في حربها المقبلة على اهل الممانعة والمقاومة في عالم العرب والاسلام |
|
|
|
|
|